السيد علي عاشور

103

موسوعة أهل البيت ( ع )

السماوات والأرض والعجائب المودعة في بنية الإنسان والحيوان والنبات ، تدلّ على كمال حكمة بارئه ، فإنّ الحكمة هو العدل والحق والصواب ، والحكيم هو العالم الذي يضع الأشياء مواضعها . . . . ثم إنّ الصانع الحكيم لا يترك النّاس سدى ولا يهملهم فلا بدّ من أن يكون له سفراء في خلقه . قوله : لم يجز أن يشاهده خلقه اه : فإنّ ما تدركه الأبصار ويباشره الإنسان بالحواس الجسم والجسمانيات أو المتجسّم والمتجسّد ، والمتمثّل من المجرّدات وما يقرب منها كالأجنّة وهو عز وجل متعال عن ذلك علوا كبيرا . قوله : ثبت أنّ له سفراء في خلقه - إلى آخره . دليل على وجوب بعثة الأنبياء ، وهذا الطريق هو الذي أتى به الحكماء في أسفارهم ، في وجوب إرسال الرسل على اللّه تعالى بل هو أمتن وأدق وأكمل منه . واعلم أنه ذهب أرباب الملل وأكثر الفلاسفة إلى حسن بعثة الأنبياء خلافا للبراهمة من الهند ، ومن يحذو حذوهم فإنّهم منعوا من حسنها ، وقالوا : إنّ ما يجي به الرّسول إن خالف العقل فهو مردود وإن وافق ففي العقل غنية عنه فلا وجه لحسنها . وهذا القول باطل ، لأنّ العقل لا يدرك جميع ما يصلح له وينفعه ويضره ، على البسط والتفصيل ، بل كثيرا منها على الإجمال والإبهام أيضا ، على أنّ الفوائد التي ذكرها المتكلّمون والحكماء في حسن بعثة الأنبياء تردّ ما ذهب إليه البراهمة . قال المحقق الطوسي في تجريد الإعتقاد : البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد كمعاضدة العقل فيما يدلّ عليه ، واستفادة الحكم فيما لا يدلّ ، وإزاحة الخوف واستفادة الحسن والقبح والمنافع والمضار ، وحفظ النوع الإنساني وتكميل أشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفة ، وتعليمهم الصنائع الخفيّة والأخلاق والسّياسات والأخبار بالعقاب والثّواب فيحصل اللّطف للمكلّف . ثمّ على تقدير حسنها هل هي واجبة في الحكمة ، قال العدلية أعني الإماميّة والمعتزلة : نعم ، ومنعت الأشاعرة من وجوبها بناء على أصلها الفاسد . ثمّ تقرير الطريق الذي أتى به الحكماء على الإجمال ، هو أن نقول كلما كان صلاح النوع مطلوبا للّه تعالى كانت الشريعة واجبة ، وكلما كانت الشريعة واجبة ، كانت البعثة واجبة فكلما كان صلاح النوع مطلوبا فالبعثة واجبة ، وعلى التفصيل ما ذكره زينون الكبير تلميذ أرسطاطاليس في رسالته في المبدأ والمعاد ، وما ذكره الشيخ في المقالة العاشرة من إلهيات الشفاء من الفصل الثّاني